فخر الدين الرازي
441
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
استلزم استحقاق الذم واستحقاق اللَّه تعالى الذم محال ، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالا والمحال غير مقدور ، فلم يكن اللَّه تعالى قادرا على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل ، وإن كان الوجوب على التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعا يكون القول بالإلجاء لازما ، فلم يكن اللَّه قادرا ، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد ، فنقول لو لم يفعل لا نقلب خبره الصدق كذبا وعلمه جهلا وذلك محال ، والمؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادرا ، ولا يكون مستحقا للثناء والمدح ، / تمام السؤال وجوابه : أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله ، فيكون ذلك الفعل فعلا لا على سبيل الإلجاء ، فكان قادرا ومستحقا للثناء والمدح . المسألة الثانية : قوله : وَعْداً يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره . المسألة الثالثة : قوله : مَسْؤُلًا ذكروا فيه وجوها أحدها : أن المكلفين سألوه بقولهم : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [ آل عمران : 194 ] ، وثانيها : أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته كان ذلك قائما مقام السؤال ، قال المتنبي : وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي كلام عندها وخطاب وثالثها : الملائكة سألوا اللَّه تعالى ذلك بقولهم : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [ غافر : 8 ] ورابعها : وَعْداً مَسْؤُلًا أي واجبا ، يقال لأعطينك ألفا وعدا مسؤولا أي واجبا وإن لم تسأل ، قال الفراء . وسائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة ، وما قاله الفراء مجاز وخامسها : مسؤولا أي من حقه أن يكون مسؤولا لأنه حق واجب ، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة ، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 17 إلى 20 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) [ في قوله تعالى وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ] اعلم أن قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ راجع إلى قوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [ الفرقان : 3 ] ثم هاهنا مسائل : المسألة الأولى : يَحْشُرُهُمْ فنقول كلاهما بالنون والياء وقرئ نحشرهم بكسر الشين .